هنا أبو لغد 

فلسطينية المنبت, أردنية الجنسية والنشأة والتفكير, إماراتية الروح.

 

 

بكل فخر أواجه مرض السرطان

 

 

قصتي مع السرطان

قصتي مع السرطان

 

كنت أرغب في ان أبدأ كتاباتي حول الموضوع منذ اكتشافي للمرض في شهر مايو (٥) الماضي ولكنني كنت عائمة في دوامة من الأفكار والحيرة ألهتني عن سرد ما أعيشه كل يوم في مواجهة هذا المرض ، ولكنني لن أسمح بأن يضيع المزيد من الوقت وسأبدأ حالاً بتوثيق ما يجري معي أولاً بأول كلما سنحت لي الفرصة والوقت. 

 

ما قبل ولحظة اكتشاف المرض 

لم يكن تلقي خبر تشخيصي بسرطان الثدي بهذه البساطة أو السهولة خاصة وأنني كنت قد فقدت أعز الناس بسبب نفس هذا المرض في شهر سبتمبر الماضي ٢٠١٥... والدي -رحمة الله عليه- الذي ادخلني فقدانه في حالة من الصدمة ونكران الواقع... كنت أعيش تلك الفترة حالة من الغضب والحزن الشديدين... كنت أدخن السجائر بشراهة وأعبر عن غضبي بطرق متفاوته، تمتلكني مشاعر مختلطة قاسية وبجرعات كافية ...ولم يكن بمقدوري تحمل أي خبر مزعج آخر  ... فآخر شيءٍ كنت أود سماعه هو إصابتي بنفس المرض الذي أخذ منّا والدي.

 

كتلة الورم الصغيرة تلك كان قد تم تشخيصها في ذات المستشفي الذي عدت إليه مرة أخرى لإجراء الفحوصات الروتينية السنوية  العادية التي كانوا قد طلبوها مني العام الماضي بعد ان اخبروني وقتها بأن الكتلة تلك عبارة عن ورم حميد لا خطر ولا خوف منه... فقررت الذهاب لإجراء فحوصات مبكره للإطمئنان... وسخرية القدر كانت بأن يخبرني نفس المستشفى الذي شخصني العام الماضي بأن التشخيص الماضي لم يكن صحيحا وأن الورم الذي لدي خبيث!!! 

 

كيف من الممكن ان يكون هذا صحيحاً؟

سوف أقاضي الطبيب!

ماذا سيحدث الآن؟! بالتأكيد سوف أموت

لا أريد ان اموت بعد!

ما زلت شابة وصغيرة على هذا المرض

أريد أن أخرج من جسدي.

لماذا انا؟

لماذا يا ربي؟!

أين هو العدل؟

انتهت حياتي!

لن تستطيع عائلتي تحمل الخبر!

لن أتلقى أي علاج... سوف أعيش  إلى ان يأخذ المرض مني حياتي

 

منذ سماعي الخبر,أفكار ومشاعر كثيرة بدأت تتدفق في عقلي وقلبي، تتنوع ما بين القلق والخوف ...والحزن واليأس.. والظلم والغضب.

 

لم أكن أدرك ان كل تلك الأفكار كانت مجرد حماقات ... لانني وخلال المراحل اللاحقة اكتشفت ان هذا المرض عبارة عن هبة من الله... هدية علّمتني ما لم أكن سأتعلمه خلال سنين عمري كلها... قد تظنون انني أُصبت بالجنون ولكن من خلال كتاباتي اللاحقة ستعلمون ما أعني...

يتبع.........

 

المرحلة صفر في مواجهة السرطان

ما هي مراحل السرطان ؟ بالنسبة لي انا اعرفها تماما من خلال تجربتي مع والدي و العديد من أفراد العائلة الذين واجهوا هذا المرض، فالسرطان رفيق قديم لي لم يفارق مراحل حياتي منذ الصغر... فهناك دائماً شخص ما في العائلة يواجه مرض السرطان. و لكن فعليا ما هي مراحل السرطان ؟ 

مراحل لسرطان الثدي:

المرحلة 0: وجود كتلة سرطانية في مكانها ولا دليل لأي انتشار آخر

المرحلة ١: انتشار بسيط للخلايا السرطانية في اجزاء من الثدي

المرحلة ٢: ما زالت الحالة في المراحل المبكرة ولكن بدأت الخلايا الخبيثة بالانتشار بشكل أوسع.

المرحلة ٣: من المراحل المتقدمة حيث ان انتشار الخلايا السرطانية قد امتد الى ما حول منطقة الثدي

المرحلة ٤: من المراحل المتقدمة جداً حيث ان الخلايا السرطانية قد انتشرت الى باقي اعضاء الجسم

 

وما يحدث بعد المرحلة الرابعة هو ان  المريض يتوقف عن المحاربة وينتصر المرض عليه فيترك المريض جسده وعقله وآلامه خلفه ويسلّم روحه بأريحية وطمأنينه لتنتقل إلى حياة يأمل بأنها أفضل في مكان آخر.

 

هذه المراحل الطبية والعلمية للمرض، أما أنا فلدي نظرية أخرى لهذه المراحل قد يصلح أن تُدرّس في مادة علم النفس او "علم الحياة" وهي: المراحل الأربع لتحويل المرض إلى عَرَض. أو كيف تحوّل النقمة إلى نعمة. 

 

المرحلة 0: افهم وضعك تماماً وتعلّم

 

عندما غادرت المستشفى وعدت إلى المنزل قررت أن أتمالك نفسي والا أبكي... بل أن افهم تماما ما بي... ومما أعاني... لأتمكن من أن يكون لي رد فعل عقلاني... لم أخبر احداً من عائلتي بعد لانني وبكل صراحة لم أكن أعلم ما يتوجب علي أن أقول ، اومتى ، وبأية لغة! لم تسعفني الكلمات!

 أخبرت إحدى صديقاتي المقربات لأنني كنت أعلم أنها سترشدني إلى الطريق الصحيح وستقدم لي النصيحة المناسبة ، وفعلا لم يخب ظني بها.

أول ما قامت به صديقتي هو ان أخذتني إلى مستشفى آخر متخصص لعلاج سرطان الثدي، طلبنا إعادة إجراء الفحص بالاضافة إلى الفحوصات الأخرى كالماموغرام والخزعة والأشعة فوق الصوتية والمسح النووي والمقطعي والتصوير بالرنين المغناطيسي.

تلك الفترة كانت أشبه بالمتاهة... دهليز مظلم... يأخذك من مكان مغلق إلى آخر ،،، تتخبط فيه بأفكارك... هائم وضائع بين الحقيقة والوهم.. -حقيقة- اصابتك بالمرض وفكرة الألم والموت و مشاعر وعواطف الأهل ... و-وهم- بصيص الأمل الصغير الذي تضع عنده كل أحلامك،وهو أن تكتشف ان ذلك كله كان كابوسا بشعا وقد استيقظت منه.

 

من أصعب اللحظات حقاً كانت لحظة انتظار استلام النتائج وقراءتها لتحدد لك الأرقام على الورق طبيعة حياتك القادمة.

 

في هذه المرحلة... وبعد تأكيد تشخيص المرض ... انت بحاجة إلى صاحب تجربة سابقة... ليوّضح لك ما ستعيشه وتشعر به... قصة نجاح عاشت التجربة ومرت بكل تفاصيلها لتختصر لك الطريق، وتمهد لك مسار الرحلة، وتعطيك بصيص أمل، وجرعة إيجابية، ودفعة للاستمرار. 

أشكر الله أني وجدت ذلك الشخص والذي أصيب بمرض السرطان وهو في سن الشباب واستطاع ان يتغلب عليه وها هو اليوم يتجاوز الستين من العمر ويعج بالحياة.

وفوراً توجهت إليه وأخبرته بصوت يرتجف "أنا مش خايفة من الموت" فأجابني وبكل رزانة وهدوء: "كلنا رح نموت... وأكيد لازم تكوني خايفة حبيبتي... السرطان مرض يصيب العقل والذهن... يا بيغلبك وبسيطر عليكي بأفكاره السوداوية ...يا بتغلبيه انتي بايجابيتك وارادتك... هادا خيارك"

 واضاف قائلا: "هاي معركتك انتي وما حدا بيقدر يحارب فيها غيرك ... لازم تواجهي العدو لحالك... رح تشوفي ناس بتبكي بوجهك وناس بتبكي بظهرك...وكأنك مُتّي... ناس بترفع من معنوياتك وناس بتحطمك... بس بالنهاية ما حدا رح يقدر يساعدك إلا نفسك... العلاج الكيمياوي متعب... بس بمعرفتي فيكي ... عادي بتتحملي"

وبدأ يسرد لي تفاصيل رحلة علاجه بالكيماوي ومن سأحتاج في تلك الفترة ليكون الى جانبي... وكيف أجذب الافكار والطاقات الايجابية نحوي حتى أتمكن من التغلب على هذه المعركة الذهنية. كنت ممتنة جداً لانني وجدت ذلك الشخص لأتحدث إليه...فهو ما كنت أحتاج اليه عن دون الجميع... وليس لأشخاص يذرفون علي الدموع حزناً وشفقة بمجرد اخبارهم قصتي ... لم أكن بحاجة لمن أواسيه بل لمن يواسيني ويقويني لمواجهة ما هو قادم... كنت بحاجة لمن يخبرني بحقيقة ما هو آتٍ، لا ان يرسم لي أوهام وردية ويجمّل الحقائق.

بينما كنت في طريق العودة للمنزل أفكر فيما قيل لي... تذكرت حديثاً دار مرة بيني وبين مدرب علم اجتماع  أثناء احد التمارين... سألني حينها "هنا، من هو معلمك في الحياة؟" فأجبته حينها وبعد تفكير بأنه لا احد معين، ولكن قد ألهمني في الحياة بعض الفلاسفة والكُتّاب والاعلاميين، فضحك وقال لي: "هل تعلمين من هم معلميني أنا؟ قلت له: "أخبرني" قال لي بأنهم من أتعسوا له حياته وجعلوه حزينا..

 وتابع قائلاً: "لأن هؤلاء هم من علمّوني دروسا في الحياة... علموني الصبر... وضبط النفس... والسيطرة على الغضب...هؤلاء من علمّوني ان أبعد عني الافكار السلبية واجذب الاخرى الايجابية... هؤلاء من جعلوني أطور شخصيتي وأحسنها... لذا عليكي ان تشكري هؤلاء الناس وتقولي لهم شكراً لانهم علموكي".

لم اكن أفهم تماما ما قاله حينها ولكني فهمت ما قال اليوم اكثر من اي يوم اخر... اصبح لكلامه اليوم معنى مختلف...

وفي تلك الليلة تحديدا علمت من هو معلمي الجديد في الحياه... كتلة خلايا بطول ٢ سم تقع في الثدي الأيمن من جسدي، و ستكون هي معلمي و ملهمي لأحدث التغير الإيجابي في حياتي.... وقلت بصوت مرتجف وانا في سيارتي: " اهلًا بمعلمي الجديد، نورت بيتك و مطرحك يا سرطان!".

يتبع... 

المرحلة ٠.١: أين هي جرئتي لأخبر عائلتي بمرضي ؟؟

امتلاك الجرأه لمواجهتهم بالمرض

 

من يعرفني شخصيا يعلم بأنني استطيع مواجهة وكسب أي موقف باصطناعي وجه البوكر "poker face" ، ذلك الوجه البارد الذي لا ملامح له قد جعلني أكسب العديد من المواقف في حياتي... والذي من خلاله لا أعكس أية مشاعر ويَصعُب على من حولي قراءة أحاسيسي أو افكاري و انفعالاتي... وبالتالي لا أسمح لأحد بأن يتوقع ردود فعلي او تحركاتي او مخططاتي ... وبالأغلب اكسبتني هذه السياسة في الماضي مواقف عديدة الى صالحي... أو على الاقل اخرجتني  من المتاعب بأقل الخسائر...

بالنسبة لي كانت أي مشكلة أو قضية بمثابة تحدٍ جديد أسعى لكسبه.

ولكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً ..تحدي إخبار عائلتي بهذا الخبر -بوجه البوكر- المعتاد لم يعد سهلاً كما بدت الامور سابقاً...لم يكن هذا النوع من التحدي الذي أطمح لمواجهته.

قررت حينها أنني لم أكن مستعدة لاخبارهم بنفسي أو بالأحرى لم أمتلك الجرأه لاطلاعهم على الخبر... فاتصلت بزوج أختي الذي أثق به وأخبرته بطريقتي المعتادة (الباردة والهادئة التي فيها بعض السخرية بهدف تخفيف حدة الموقف): "اكتشفت بأن لدي سرطان في الثدي... أرجو أن تخبر عائلتي لأنني غير مستعدة لإخبارهم".

بالطبع تلقى هو الخبر بصدمة... ولا أعلم كيف كانت لديه القوة والجرأه ليخبر أخواتي وأمي اللواتي يُقمن حاليا مثلي في دبي ...(ولا أرغب بتخيل وجوههم لحظتها)...

وما لبثتُ الا ان وجدت أخي الوحيد يأتينا من عمان فوراً ليقف الى جانبنا في هذه المحنة. 

لم أكن أتوقع ان يحتملوا جميعهم هكذا خبر خاصة وأنهم -مثلي تماما- لم يتعافوا بعد من صدمة رحيل الوالد في سبتمبر الماضي ... ولم أتوقع أن يقفوا بهذه الصلابة الى جانبي لدعمي وتشجيعي...وقفوا جميعا وقفة رجل واحد... وأنا... سُعدت بذلك... ظننت بأنني قوية كفاية لأقف بنفسي ولوحدي امام هذا المُصاب، وظننت أنني -وكعادتي- عنيدة كفاية لأرفض أية مساعدة... ولكنني كنت مخطئة... يبدو بأننا كلنا ضعفاء في مواقف محدده، ولا بد من أن نعترف أننا جميعاً نحتاج المساعدة في لحظات معينة...

 

لم أمتلك الجرأة في البداية لمواجهتهم بالمرض...

ولكن... -وبسببهم- أمتلك الجرأة الآن لمواجهة المرض! 

 

يتبع...

المرحلة ٠.٢: أصدقاء للمصلحة

 

  

حقيقة الأصدقاء ونوعياتهم وكيفية التعامل معهم

 

كان دائما يخبرني والدي بأنني أحب أصدقائي أكثر مما أحب نفسي...وأنني أقدم لهم أكثر مما يجب...وأنني أمنحهم الكثير من الوقت والاهتمام.  وأخبرني أيضاً أن هذا الشيء سيعود عليّ بالضرر يوما ما... لأنه عندما يأتي اليوم الذي سأحتاجهم به لن أجدهم جميعهم...وسيخيب ظني ببعضهم.  أما البعض الآخر فبالطبع سيقدمون المساعدة ولكن لن يفعلوا لك المستحيل كما تفعلين انت لهم... ولن تكون وقفتهم بصلابة وقفتكي انت لهم.

 

كان ينتهي هذا النقاش دوماً بيني وبين والدي بجدال... لكن يبدو بأن ما قاله كان صحيحاً نوعاً ما... فقد خاب ظنّي بالبعض ومنهم من كنت أظنهم أقرب الناس (هؤلاء الذين كنت دائما متواجدة لأجلهم وبرضاي التام اقبل بأن يستغلوني بشتى الاشكال لاعتقادي ان لا مصالح بين الأصدقاء الحقيقيين... ولكن عندما اصبحت لي أنا مصلحة لديهم لم أجدهم)...

 وتفاجأت بالمقابل بوجود أناس جدد لم أتخيل أن يقدموا لي ما قدموه من الأساس.

 

في البداية أخبرت الأشخاص المقربين مني بما أصابني ولم أرغب في أن أخبر الجميع... لأنني وجدت انني وبمجرد اخبارهم ينتهي بي المطاف بأن أقوم أنا بمساعدتهم ومواساتهم واقناعهم بأن كل شيء على ما يرام وليس العكس! اصبحت انا من يعلمهم كيف يضبطون مشاعرهم ويتمالكون أعصابهم وكيف يجب ان يتعاملوا معي في مرضي!! وهذا آخر ما كنت أبحث عنه!  وعندما بدأت ألمس حزنا وشفقة وكآبة وسلبية منهم... أدركت انني أقوى منهم.. وأن عليّ أن اختصر بعضهم وأتمسك ببعضهم الآخر... وأعرف كيف أتعامل مع كل نوع منهم.

 

وجدت أن أنواع الأصدقاء في الشدة والمرض ٥:

١- الدراما كوين (صديق الأفلام الدرامية):

هؤلاء يبدأوون بالبكاء والولوله بمجرد سماعهم بالخبر... وكأنك صرت على سرير الموت...يقتلونك قبل أن يحين أوانك... هؤلاء عانقهم وحاول أن تبتسم بوجههم فهم عاطفيون جداً ولا يعلمون كيف يتصرفون في مواقف الشدة.

٢- صديق "اللا تعليق"

هؤلاء يتلقون الخبر بصمت ولا تعليق... ولن يقولوا شيئا أبدا الا إن شجعتهم وأطلعتهم على تفاصيل حالتك... عندها فقط سيطمأنون وسيعرفون أنك تفتح لهم الابواب ليتحديثوا دون تردد او قلق. هؤلاء رحّب بهم واشعرهم بأريحية واسمح لهم بأن يدخلوا تفاصيل حياتك.

٣- صديق "انت أقوى من السرطان"

هؤلاء يؤمنون بك كثيراً ويرونك قوياً جداً لدرجة ان المرض شيءٌ بسيط مقارنة بك...وان لا داعي للقلق منه. هؤلاء اشرح لهم أنك مهما كنت قويا فانت في النهاية إنسان ولك لحظات ضعف وانك بحاجة للتشجيع والدعم...

٤- صديق "الإعصار"

هؤلاء الذين لن يتمالكوا اعصابهم... وسيقومون بأي شيء من أجلك في تلك اللحظة. هؤلاء حول طاقاتهم لمصلحتك بالطريقة التي تراها مناسبة.

٥- الصديق الصدوق

هذا الذي سيتعامل معك بكل طبيعية وهدوء ولن يراك أبداً انسان مريض او غير طبيعي..بل انسان يواجه تحدي كبير وشائك. سيكون الى جانبك عندما تحتاجه و سيقدم لك النصائح في كل الاوقات... هذا الصديق حافظ عليه وأبقيه إلى جانبك.

 

في البداية ولأكون صريحة... تملكني شعور بالغضب الشديد من بعض أصدقائي لانني بالفعل كنت أتوقع المزيد منهم... كنت بانتظار التضحية التي كنت أقدمها لهم دائما...ولكنني أعلم انهم يحبونني وأنا أحبهم أيضا... مع الوقت أدركت ان كل منهم يفعل ما بوسعه ويعتقد انه يعطيني كل ما لديه ولكن بطريقته الخاصة وبطرق تعبيرية مختلفة..

وأدركت أيضاً انه من الصعب جداً ان يستطيع الانسان الصحي معرفة كيفية التعامل مع مريض السرطان لأن هذه الثقافة غير متواجده 

فقررت ان اتبع نصيحة جراحتي دكتورة اننت التي أخبرني عندما قابلتها لأول مرة لتنسيق موعد وتفاصيل العملية:

"هنا، انت محظوظة لانك تحظين بنسبة شفاء ٩٠٪‏ ... الإرادة والافكار الايجابية  هي سلاحك الأقوى في مرحلة العلاج القادمة ... بعض الأشخاص من حولك سوف يحطمون من معنويتك من دون أن يشعروا ومن دون قصد... ابعدي هؤلاء الاشخاص عنك بلطف وذكاء خاصة خلال فترة العلاج القادمة...لأن جرعات الكيماوي لن تكون فعالة إن لم تتزامن مع جرعات أعلى من المعنويات والإرادة والطاقة الايجابية"

 

 

*أصدقائي: هنا أقول شكراً لكل من وقف الى جانبي بأي شكل من الأشكال...  وأتمنى أن يعذرني كل من أبعدتهم عني لفترة ...

وشكر خاص لكل من تحمل عنادي وعصبيتي ومزاجيتي وتصرفاتي وبالاخص من لم تتغير معاملته لي وبقي يراني ويعاملني كما كان سابقاً معي..

 

أحبكم... 

 

 يتبع...

 

 

 

 

 

 

المرحلة ٠.٣:من أعطاك الحق لتسلبني حق الإنجاب ؟

منذ أن بلغت سن الرشد ولغاية لحظة اصابتي بالسرطان لم أكن على قناعة تامة إن كنت أرغب بإنجاب الأطفال -حتى بعد الزواج- ليس لأنني لا أحب الأطفال، على العكس، ولكنني لطالما شعرت بأنهم مسؤولية كبيرة لم أكن متأكده إن كنت على استعداد لتحملها.
 بعد أن أخذوا مني خزعة من الورم.. ذهبت وللمرة الأولى لأقابل طبيبة الكيماوي دكتورة شاهينه في مستشفى المدينة في دبي... لا أعلم لماذا ولكنني شعرت براحة كبيرة عند لقائي بها. بدت لي كملاك ينزل إلي من السماء... يبتسم لي طوال الوقت ويتحدث إلي بكل ايجابية وهدوء... تشرح لي ببساطة اجراءات المرحلة القادمة وبروتوكولات العلاج. وأوضحت لي أن علاجي سيتضمن جلسات الكيماوي ودواء للهرمونات وتعديلات لوضعية الجسم شبيهة بوضعية حالة جسم الانثى في سن اليأس ( أو الأمل ههه كما يسمونه البعض).
ثم صمتت للحظة وتابعت قائلة:  "هنا، أعتقد أن عليك اتخاذ اجراء تفريز بويضة لكِ الآن لاستخدامها لاحقاً ما بعد الزواج لإنجاب أطفال في حال لم تكن فعالة في وقتها... ولكن للأسف هنا في معظم  الدول العربية لا يُسمح للفتاة بالاحتفاظ  بويضاتها إلا ان كانت متزوجة... فربما عليك التفكير بالذهاب إلى لندن مثلا لفعلها" وتابعت: "لكني لا أنصحكِ بتأخير العلاج كثيراً لأن نوع سرطانك عنيف قد ينتشر بسرعة... فأنا أحبذ أن تنهي أمورك فوراً وأن تبدأي العلاج في أسرع وقت ممكن..."
أجبتها فوراً ودون تفكير بأن إنجاب الأطفال لم يكن ضمن حساباتي أصلاً فلا داعي لتأخير العلاج... وأنني عندما أرغب بالزواج سوف أوضح الأمر له منذ البداية... فإما أن يتقبل وضعي أو فليرحل بحثاً عن الأبناء. 
رمقتني نظرةً فهمت معناها فوراً ومغزاها بأنه سيأتي يوم ما وسأندم على ذلك... وقاطعتني قبل أن أُجيبها قائلةً: "فكري بالموضوع حبيبتي جيداً... أعطِ نفسك فرصة"
خرجت من عيادتها وكلي مشاعر مختلطة...قلت لنفسي... صحيح أنني لم أكن أرغب مسبقا بإنجاب الأطفال ولكن بمحض إرادتي... لا ان يفرض علي ذالك ... 
وإن كنت أريد تحقيق ذلك فعليّ أن أغادر الى الخارج وأنفق "الله وأعلم" كم من المبالغ المالية التي أنا بحاجة لها للعلاج الآن -وإن كنت أملكها أصلاً-!
 
في اليوم التالي استيقظت و رأيت الجانب الإيجابي لوضعي الحالي و قررت أن ألجأ لتبنى طفلا في يوم من الأيام إن رغبت بذلك أصلاً... وعلمت أنني سأخبره أو هي يوماً من الأيام - بعد أن يعي / أو تعي حقيقة الحياة-  أن السرطان (معلمي) هو من منحه/ ها  حياةً أفضل. لربما وقتها-إن لم يكن هناك علاج بعد للسرطان-  أكون قد زرعت لديهم ثقافة احترام هذه الحالة وتقديرها وزرعت لديهم حب الاطلاع عليه...والتعامل معه... فهو بالنهاية ليس زائر غريب يأتي صدفة... بل هو "صاحب بيت" ... له في كل أسرة مكان... فعليهم أن يعتادوا عليه وعلى ترحيبه! 
 
يتبع..

المرحلة ١-٠ : لعلاج الكيماوي... لعبة عقل... لعبة ذكاء

لطالما رغبت أختي في دراسة الطب... ولكن انتهى بها المطاف بدراسة الهندسة... وبالرغم من ذلك ما زلنا نعتبرها المستشارة الطبية لدينا في المنزل لاهتمامها المستمر بالطب وشغفها بقراءة كل ما يتعلق به.

لذا كانت هي ووالدتي بصحبتي عندما راجعت طبيبتي الكيماوي -الدكتورة شهينة-لأول مرة... لفهم طبيعة اجراءات وخطوات العلاج الكيماوي. لم أكن أرغب بسماع تفاصيل العلاج لسماعي بأن اعراضه الجانبية وتبعاته متعبة ومؤلمة للغاية... وتقتلك من الداخل قبل الخارج...

طبعاً تبيّن لي لاحقاً بأنه ليس بهذا السوء (النصيحة: لا تصدق كل ما تقرأ وترى في الاعلام والمواقع)

أخذت أختي بمناقشة الدكتورة شهينة حول تفاصيل العلاج وكانت الطبيبة منبهرة بمعلوماتها وأخبرتها بأنها لا بد وأنها مطلعة جيداً على الموضوع، فدار حوار صغير بينهما حول شغف أختي بالطب بشكل عام وكيف ان كل ما يتعلق به يشدها للاطلاع عليه. تركتُهم يتحدثون وكأن الموضوع لا يعنيني...

فالتفت إلى الدكتورة وابتسمت قائلة: هناء، لم لا تشاركينا الحديث...فيبدو لي أنك غير مهتمة أو مكترثة بالتفاصيل ولكن ما نتحدث به يعنيكي أولاً وأخيراً، أعتقد أن عليك سماع ما ستواجهين أثناء العلاج...

عدنا هنا مرة أخرى لوجهي البوكر الشهير ...واسلوبي البارد المتهكم وقلت: "لمَ قد يهمني... فأنا ما مالي شي.... أنا ما معي سرطان أختي عندها السرطان..." وضحكنا

عندها بدأت الدكتورة بتوجيه الكلام لي وأخبرتني أن عليَ أن أنتبه جيداً على مناعتي في المرحلة القادمة لأنها ستبدأ بالنقصان تدريجياً مع كل جلسة علاج كيماوي.

هززت برأسي غير مدركة أهمية ما قالت... فأنا لا أريد أن أبالغ واعطي الموضوع أكبر من حجمه.

ولكني بدأت فعلا بالقلق (وحسيت بالحامي) عندما اخبرتني ان عليّ ان اراقب درجة حرارة جسمي دوريا وأنها إن تجاوزت ال ٣٧،٨ علي مراجعة المستشفى فوراً. للعلم فقط هناك العديد من التأثيرات الجانبية التي ترافق العلاج الكيماوي وأهمها:

لعيان ومراجعة

ضعف في جهاز المناعة

فقدان الشعر

آلام في الفم والعيون وسيلان في الانف

ارهاق عام

أعراض سن اليأس

من تجربتي الشخصية وجدت بأنك ان اقنعت نفسك بأن هذه الاعراض ستحدث لك... نعم فهي ستحدث لك... وان قررت أنك لن تشعر بها... فعلاً لن تشعر... وستتغلب عليها كلها أثناء فترة العلاج.

معظم مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج الكيماوي يخسرون الكثير من الوزن ويعانون بالأغلب من لعيان مستمر ومراجعة... أنا مثلاً كنت مُصرّة انني سأقاوم اللعيان ولن أسمح لنفسي بالمراجعة ولو مرة... وفعلاً استطعت التغلب على هذه الأعراض تماما

يتم السيطرة على كل هذا من عقلك...العلاج الكيماوي عبارة عن لعبة عقل... اما ان تسيطر عليك فتحركك كما تشاء أو ان تسيطر عليها أنت وبذكاء...وهذا ما فعلته أنا ... 

وينطبق ذلك على كل شيء في الحياة...لا تجعل الأوهام التي في رأسك تصبح حقيقة...ولا تجعل المخاوف والهواجس تسيطر عليك وتزرع بك الأفكار السلبية المسمومة ... بل سيطر انت عليه بالتحدي والاصرار والتفاؤل

فكر بإيجابيه وعش يومك وكأنه أول وآخر يوم... اسمح لنفسك بالاستمتاع بالحياة...اقرعوا يُفتح لكم... فالحياة هي ببساطة لعبة ذكاء!

ما زلت أذكر اليوم التي عرفت فيه أنني أعاني من مرض السرطان, حيث قررت من ذالك اليوم الاقتناع أنني لا أعاني من مرض السرطان, بل أوجهه فقط.

 يتبع... 

 

 

 

مرحلة ١-١ :تسريحة شعر جديدة

مضت فترة منذ أن كتبت آخر مرة ولكنني كنت أمر بفترةٍ صعبة ومرهقة وتحديات كثيرة سلبت مني كل ما أملك من طاقة ولم تكن لدي الهمة لأكتب، ولكن بما أن اليوم يصادف سنوية والدي الذي رحل عنّا في مثل هذا اليوم من العام الماضي قررت أن أحول هذه المناسبة إلى حافز وطاقة إيجابية قدر المستطاع للاستمرار ... فقررت أن أعود لكتاباتي.
هل تعلم بأن جسمك في غاية الذكاء ويعطيك دائما إشارات عندما يصيبه أي خلل... وبالعادة تكون هذه الإشارات على شكل لعيان أو حرارة أو دوار أو انعدام شهية إلخ...
جسدي أخبرني العام الماضي ٢٠١٥ بأن هناك خلل ما.. عندما شعرت ببعض الآلام في صدري ومن ثم شعرت بالكتلة الموجودة... جسدي أعطاني إشارات واضحة جداً دفعتني لأن أتوجه فوراً للمستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة، ولكني وكما ذكرت سابقاً تم تشخيصي بشكل خاطىء... وبعد ذلك لم يتوقف جسدي عن إعطائي إشارات بأن المشكلة ما زالت موجودة ولكن هذه المرة كانت هذه الاشارات ذهنية وعقلية  التي دفعتني بعد سنة لأن أتوجه للمستشفى مرةً أخرى.
واحدة من  هذه الاشارات الذهنية الغريبة كانت تراودني كلما كنت أقف أمام المرآه لأمشط شعري، كنت أسرح في عالم آخر وأبدأ بالتحدث مع روحي ... كانت نفسي تقول لي دائما "هنا انتي صار لازم من باب التغيير تحلقي شعرك، ما تخافي الموضوع جداً بسيط... تناولي الشفرة من عندك واعمليها". كل مرة كنت أمسك بها الشفرة وأنظر إليها أشعر بصفعة قوية على وجهي تجعلني استيقظ من هذا الحوار الغريب.
ظلت تأتيني هذه الايحاءات والاشارات الفكرية الغريبة إلى أن جعلتني أتوجه للمستشفى مرة أخرى هذا العام لاجراء الفحوصات.
عندما كنت صغيرة كنت جداً أحب متابعة برنامج هواة للأطفال باللغة الفرنسية... يقابلون به أطفال صغار لديهم مواهب في الغناء أو الفن إلخ... كنت أتابعه بالعادة مع عائلتي... وكان في كل مرة نتابع البرنامج يقول والدي التالي: "هادول الأطفال كتير حلوين... بس انتي يا هنا أحلى منهم... بتعرفي ليش؟ لأني بحبك" كان والدي على حق لأنك فعلاً عندما تحب شخص  تراه جميلاً بكل تفاصيله بغض النظر عن حقيقة حاله.
تذكرت كلام والدي هذا عندما كنت أمشط شعري بعد ثاني جلسة كيماوي وكان يتساقط بيدي.
ابتسمت وقررت التصرف ، فاتصلت بصالون التجميل فوراً وحجزت موعداً لأذهب وأقص شعري قصيراً.
بعد ذلك وعندما استلقيت على الفراش لأرتاح قليلا وجدت بأن شعري ما يزال يتساقط وبكثره بالرغم من قصره... فقررت أن أستجمع قواي وأن أقوم بحلاقته بالكامل. ظننت بأنني عندما أقوم بذلك سوف أبكي أو سأنهار ولكن ذلك لم يحدث ابتسمت ورأيت نفسي جميلة لأنني أحب نفسي ولأنني جميلة، ليس الشعر هو ما يجعلني جميلة.
قبل أن أصاب بالسرطان لم أكن أرى نفسي جداً جميلة أو جذابة ولكن بعدما خسرت شعري بدأت أرى الجمال في وجهي دون شعر أو مكياج أو كل تلك الأدوات المزيفة.
السرطان جعلني أرى الجمال الحقيقي في نفسي وأن أحب نفسي أكثر من ذي قبل... ليس المكياج أو صبغات الشعر ما يجعلك جميلاً... إنها روحك الجميلة... تصرفاتك الجميلة... تفكيرك الجميل .. كن جميلاً ترى نفسك والوجود جميلا.

 

!مرحلة ٢-١: مع باروكة أم دون باروكه هذا هو السؤال

بعدما تبين بأنني سأخضع للعلاج الكيماوي أعطتي الدكتورة أنيت الحمدي في مستشفى (ميدكيلينك سيتي) دبي، قسيمة  لشراء باروكة شعر.. وكوني لست من الفتيات اللواتي يهتممن بالمكياج وستايلات الشعر لم أكن أعلم ان هناك باروكة شعر كاملة ومصنوعة من الشعر الطبيعي...صحيح أنها باهظة الثمن بعض الشيء لكنها تبدو أجمل من شعرك الطبيعي.
لذا كنت متحمسة جداً لإرتدائها حتى انني بدأت بوضعها حتى قبل أن أفقد شعري ... الدكتورة شاهينة داوود من مستشفى (ميدكيلينك سيتي) أخبرتني بأنني أول مريضة تستخدم الباروكة قبل أن يتساقط شعرها.
ما كان مضحك كفاية هو ان الباروكة في الحقيقة كانت فعلاً جميلة... أجمل من شعري للحقيقي...
والأجمل انه ومنذ معرفتي بالسرطان لم يعد هناك داعٍ لأن أجفف شعري أو أصففه!
ولكن بعد أن قمت بحلاقة شعري بالكامل بدأت الباروكة تزعجني فعلاً... لا تلوموني... فدرجة الحرارة في دبي كانت حوالى ٥٠ درجة مئوية والباروكة لم تكن أبداً أفضل وأريح خيار! لذا قرر استبدالها بشالات ألفها حول رأسي بستايلات مختلفة فريدة من نوعها.
ولكن سرعان ما بدأت هذه الشالات بإزعاجي أيضاً لانني كنت ارتديها طوال النهار حتى أمام عائلتي، لأنني كنت أظن وقتها بأن الحِمل الذي لديهم والصبر الذي يعيشونه ليقفوا معي امام حربي ضد السرطان هو مؤلم كفاية فلا داعي لأن أزيد آلامهم اكثر برؤيتي من دون شعر نهائيا فقد يحطمهم ذلك.
ولكن في حقيقة الأمر أعتقد انني انا من كنت غير مستعدة بعد للخروج دون أن أغطي رأسي... ليس لأنني اعتقد أني غريبة أو غير جميلة.. بل على العكس وكما اخبرتكم مسبقاً اني فعلا أرى نفسي جميلة ولكن للأسف الناس بطبيعتها جلّادة وتصدر أحكاما مسبقة وجارحة في بعض الأحيان على الآخرين.
فقررت أن آخذ هذه الخطوة تدريجياً ... فبدأت أولاً بالذهاب الى النادي الرياضي دون تغطية رأسي... واجهت ردود فعل مختلفة من الناس منها ما هو ايجابي والآخر سلبي.
بعدما أصبحت أذهب باستمرار إلى النادي الرياضي من دون تغطية رأسي ... قمت بتحميل صورة لي على حسابي على الانستغرام وتلقيت العديد من التعليقات الايجابية الداعمة التي شجعتني لأن أقوم بهذه الخطوة وأن أبدأ بالخروج رسميا من دون أي غطاء على الرأس أمام الملأ.

كنت سعيدة بمقدرتي على مواجهة ردود الفعل الشريرة من البعض... وفي ذات الوقت كنت سعيدة بأن هذه الخطوة جعلتني أساعد العديد من الناس من حولي... ولكن، كيف ذلك؟

البعض ينصدم في البداية من رؤية الرأس عارٍ ويفتح فمه وعينيه واسعا من الصدمة ومن ثم يدرك فوراً بأن ردة فعله كانت سيئة فيبدأ بتعويض ذلك بالكلام اللطيف: هؤلاء أخبرهم بأن عليهم أن يخرجوا من فقاعة العالم الصغير المادي والسطحي الذين يعيشون بها وعليهم ان يوسعوا مداركهم في الحياة ويبتعدوا عن المظاهر النمطية.
والبعض الآخر يبتسم حين يراك: على الأغلب انه شخص قد مرّ بشيء سيء خلال نهاره أزعجة أو ان لديه مشكله معينة تؤرقه، وعندما رآك أزلت عنه همه لانك ذكرته بأن مشكلته لا تساوي شيء مقابل ما قد يعاني منه الآخرون.
ومنهم من سيتجاهلك: هؤلاء ليس لديهم الجرأه للنظر اليك ولكن تأكد انهم سيفكرون بك لمدة طويلة وسيستمتعون بما رأوه وقد يتحدثون عنك وعن جرأتك.

صحيح انها تحتاج لجرأة كبيرة جدا وخاصة كإمرأه ، ان تخرج عارية الرأس ... ولكنها في الوقت نفسه تمنحك قوة وثقة يصعب وصفها ويصعب عليك تخيلها.
من أكثر اللحظات التي أمتعتني وأشعرتني بالسعادة والفخر والقوة للاستمرار هي عندما كنت جالسة مع اخواتي امام شاطىء البحر وخلعت الشال عن رأسي لأشعر بالهواء الطلق فنظرن إلي بفخر وابتسمن ... فمنحوني الثقة والدعم من جديد لان أرى نفسي نعم جميلة وبدون شعر.

المرحلة ١.٣ : لا يوجد أحد ذو احتياجات خاصة، انها فقط أحكامنا المسبقة

عندما علمت انني مصابة بالسرطان فكرت في أخذ إجازة من العمل لفترة حتى أركز طاقتي على المرض والعلاج ، فقد ظننت أنني لن أتمكن من القيام بعملي كما يجب أثناء علاج الكيماوي.. ولكن بالطبع تبيّن بأن ذلك غير صحيح.
بالتأكيد كان عقلي غارقا بالاحكام المسبقة في البداية وخاصة قبل أن أبدأ العلاج الكيماوي وكنت أظن أن مصاب السرطان لا يستطيع أن يفعل شيئا وأنه عاجز عن كل شيء.. ولكن ذلك كله أيضا غير صحيح على الإطلاق... بل على العكس.. مرضى السرطان هم أشخاص طبيعيون جدا وأقوياء ويستطيعون أن ينجزوا في بعض الأحيان أكثر من الأصحاء. عندما ذهبت لتلقي خبر اصابتي بالمرض في البداية في مستشفى ميديكلينيك-سيتي تحديدا عند الدكتورة أنيت الحمدي طلبت منها أن تكتب لي طلب اجازة مرضية لمدة شهر.. فقالت لي: "هنا، أنت لستِ مريضة فلماذا تريدين إجازة؟ وإن شعرتي بالتعب أثناء تلقي العلاج الكيماوي فعندها سأعطيك إجازة ليوم واحد فقط.
صدمت عندما أخبرتني ذلك..يوم واحد فقط! حقاً؟ هل يعقل ذلك؟ نعم أنا أحب عملي كثيرا وكنت أذهب إليه بكل صدر رحب حتى عندما كانت تتجاوز درجات الحرارة ال40 درجة مئوية! لكن هذا سرطان وليست دعابة! سيطر علي وقتها مرة أخرى عقلي الذي كان يسبقني بالأحكام!
بالطبع كان علي إبلاغ عملي بما يحدث.. راجعت في عقلي رصيدي من أيام الاجازات المرضية ووجدت أن لدي 15 يوما فقط، وهذا ليس كافيا... تمنيت حينها لو أنني لم أستخدم أي يوم مرضي خلال السنة الماضية.
بالنهاية جاء ذلك اليوم الذي أخذت به العلاج الكيماوي لأول مرة.. طبيبتي المشرفة د.شهينة داوود صرفت لي 5 أيام أجازة وأخبرتني بأن المرة الأولى ليست سهلة نهائيا وأن الجسم يصاب بحالة صدمة عند استقبال الكيماوي لأول مرة وأن علي أن أختبر ردة فعل جسمي وأن أذهب للعمل عندما أشعر بأنني أستطيع ذلك.. وبالفعل لم تكن المرة الأولى سهلة أبدا. ولكنني لست سهلة أيضا بالمقابل... وقررت أن أحارب أعراض العلاج وأن أعود للعمل بعد يومين فقط. أمي ظنت بأن عودتي إلى العمل بعد يومين فقط غباء وأخبرتني بأن شكلي متعب جدا وأن ذهابي إلى العمل هو ببساطة غباء. فأجبتها بكل هدوء وكعادتي: "أمي أنا لست مريضة..أنا ذاهبة للعمل!" لم أستمع إليها وقدت سيارتي إلى العمل..وفعلا تمكنت من أن اقود لمدة 25 دقيقة إلى العمل.
عندما بدأت بتقديم برنامجي الإذاعي أدركت أن أكبرغلطة قمت بها اليوم هو ذهابي للعمل.. أدركت كم أنني متعبة ولا قوة لدي. برنامجي الإذاعي مدته 5 ساعات متواصلة.. أنهيت الساعة الأولى بصعوبة وأدركت أنني لن أتمكن من أن أكمل باقي الأربع ساعات ..وأدركت أيضا أنني لن أتمكن من أن أقود سيارتي لأعدود إلى المنزل، فاتصلت بصديقي داني منصور وطلبت منه أن يأتي ليقلني للمنزل.
جاء داني فورا وكان يعلم أنني كنت بحالة نفسية سيئة جدا لأنني لم أستطع أن أكمل تقديم البرنامج.نظر إلي وقال: "غدا ستشعرين بحال أفضل وستذهبين إلى العمل وستقدمين البرنامج بأكمله..جسمك سيعتاد على العلاج الكيماوي مع الوقت ولن تعودي تشعرين بشيء كالسابق. وبالفعل كان محقا.
وفعلا شعرت بتحسن في اليوم التالي وذهبت إلى العمل وقدمت البرنامج بكل نجاح! وتأكدت وقتها بأن علي أن أذهب إلى العمل باستمرار لأن الجلوس في المنزل سيشعرني بالكآبة والعجز. وعلمت وقتها بأن الأحكام المسبقة التي كان يطلقها عقلي وهمية وخاطئة، فنحن لسنا عاجزين ولا احد عاجز,,,نحن فقط أشخاص مميزون.
إن كان هناك شيء مختلف في جسدك عن باقي الناس أو أن شيئا لا يعمل بشكل روتيني وطبيعي كالآخرين، هذا لا يعني أبدا أنك انسان عاجز.. أنت فقط مختلف.. إعرف كيف تتعامل مع هذا الشيء المميز وحاول بابداع توظيفه لخدمتك ومصلحتك....    
ولا تنسى أنك إن مرضت.. لا تتصرف كشخص مريض..لأنك جسدك سيؤمن بذلك وسيستسلم له...فكر وتصرف بكل طبيعية عندها ستبدأ بالتحسن وستستعيد عافيتك... امشِ وامضِ بحياتك بكل طبيعية ولكن بخطوات صغيرة وبعزيمة كبيرة.
 
يتبع...
 
 

المرحلة: 3.0: أنا الرجل في حياتي

لقد مضى وقت منذ ان كتبت آخر مرة ولكنني لا أعلم ما أقول سوى انني كنت أعيش فترة تحدي جديدة من رحلتي هذه ... لكنني الآن قررت العودة لكتاباتي من جديد لأكمل ما بدأت. لذا دعوني أخبركم عن اليوم الذي أدركت به أنني الرجل في حياتي.
كان يخبرني والدي أحيانا بأن علي أن آخذ موضوع الزواج بعين الاعتبار وبطريقة اكثر جدية لأنه كان يعلم بأن هذا الموضوع لم يكن شيئاً أساسيا ضمن مخططاتي... كان يخبرني بأنني سأحتاج يوما ما إلى دعم وسند شريك، ربما عندما أتقدم في السن أو عندما أواجه تحديات وصعاب الحياة... ولكنني وكعادتي كنت أجيبه وبعناد: "أنا لست بحاجة لرجل في حياتي لأعيش... بإمكاني العيش بمفردي... أنا امرأة مستقلة واستطيع الاعتماد على نفسي دون رجل"... يبدو بأنني كنت مخطئة ووالدي كان نوعا ما على حق.
عندما تشاهدون حملات التوعية لسرطان الثدي في مختلف البلدان ترون بأن التركيز على موضوع الفحص المبكر يكون للفئة العمرية ٤٠ فما فوق، ولكنهم يجب ان لا ينسوا بأن فتيات صغار في العشرينيات والثلاثينيات غير المتزوجات -مثلي أنا- أيضا يصبن بسرطان الثدي. مواجهة هكذا مرض سيهدد ويؤثر على شكلك كثيرا هو تحدٍ ليس بالسهل على فتاة عزباء. عليك الا تنسى بأن الفتيات اللوتي يتغلبن على سرطان الثدي ينتهي بهم بالمطاف أما بثديين غير متساووين الحجم أو ثديين صناعيين، ربما أيضا من دون حلمات حقيقيات بل وشم للشكل فقط ، وقد تفقد الفتاة الاحساس بكل تلك المنطقة أصلاً. حتى أن الأزواج في الأغلب في مثل تلك الحالات لا يستطيعون تفهم الحالة تماما ولا دعمها كما يجب... فقد اخبرنني العديد من الزوجات اللوتي أصبن بسرطان الثدي بأنني محظوظة لانني اواجه هذا المرض لوحدي من دون شريك لان العلاقة مع الشريك بعد هذا المرض لا تعود كما كانت سابقا... فتبعات هذا المرض يبدو بأنه يؤثر عليهم كما يؤثر على المرأة... نفسيا وجسديا.
فبما أنني افتقد للعنصر الذكوري في رحلتي (من أب أو زوج أو شريك) وجدت بأن علي أن أكون أنا الرجل في حياة نفسي وأن علي أن اتخذ قرارات مصيرية لوحدي لم أتوقع أبداً ان اتخذها دون استشارة أب أو شريك.
 تعلمت كيف أدعم وأسند نفسي في المصاعب وكيف أمسح دمعتي لوحدي عندما أذرفها وكيف أخبر نفسي بأنني جميلة عندما أحتاج لأن أسمع ذلك...وكيف أعطي لنفسي حضن عندما أحتاجه... علمت نفسي بأن أكون الرجل الذي أحتاجه في تلك المواقف.
أذكر بأنني في المرتين قبل أن انتقل من غرفتي باتجاه غرفة العمليات لأجري عمليتي كنت أتمنى لو كان هناك شريك يقف بجانب سريري ماسكاً يدي يقبلني ويخبرني بأن كل شيء سيكون على ما يرام وبأنه سيكون بانتظاري هنا بعد العملية.

اذا الآن وبعد رحلتي هذه اعتد ان اكون انا الرجل في حياتي... أصبحت ألعب دور الوالد والزوج والشريك ...وأعلم انه سيتطلب مني وقتا طويلا بعد هذا لأتقبل دخول رجل فعلي الى حياتي.
من الجيد أن تكون شخصاً مستقلاً وقوياً ولكن لا تنسى أن تبحث عن توأم روحك او على الاقل الشريك المناسب لك في الحياة والذي سيقف إلى جانبك في السراء والضراء. فإن كان لديك هذا الشريك حافظ عليك..
فالحياة المشتركة جميلة عندما تكون مع الشخص المناسب.
يتبع...

المرحلة 3.1 : ملكة الدراما

وهكذا بدأت خطة علاجي... ووفقا لنوع السرطان الذي أنا مصابة به كان يتوجب علي أخذ التالي: أربع دورات علاج كيماوي نوع اي سي و 21دورة من كيماوي التاكسول و استئصال الثدي مع إعادة ترميم و 71 حقنة هيرسبتنت لمدة عام
النوع الأول من الكيماوي كان الأصعب لأنه يُضعف من مناعة الجسم، يتسبب بتساقط الشعر ويعطي شعور باللعيان والدوخة وفقدان الشهية بالإضافة للعديد من الأمور الأخرى ولكن وكما تعلمون استطعت تجاوزها.
 في الدورة الثالثة من الكيماوي طبيبتي شاهينه داوود قالت لي: "هنا، لا بد لك أن تقومي بتصوير فيلم قصير او ان تنشئي مدونة خاصة بك تسردين من خلالها قصتك لأنك فعلا مؤثرة وأعتقد أن الناس ستتعلم منك الكثير" من ثم ضحكت وقالت: "أنتي ملكة الدراما" فسألتها " لمَ تقولين ذلك وأنا لم أقوم بأي ردود فعل درامية؟!" فقالت: "لا، أقصد بأنك جعلتي من حياتك فيلم دراما يستحق المشاهدة!"
أذكر أنني ذهبت للمنزل من بعد الجلسة وقررت أن أصلح جارورا عندي وبما أن الكيماوي يؤثر أيضا على الجلد أصيبت يدي بتقرح بسيط سبّب احمرارا وفي اليوم التالي عندما نظرت إلى يدي وجدت ذلك التقرح قد أخذ شكل قلب صغير .. وكأن ذلك كان الإشارة التي جعلتني أتخذ قرارا بأن أبدأ بتدوين قصتي على الانترنت وبأن أفتخر بها وبنفسي وبأنني أنا المرأة القوية التي ستقضي على ذلك السرطان.
فنشرت صورتي بلا شعر على حسابي الانتسغرام وحينها انهالت علي الاتصالات والرسائل ..وبلا توقف!
وكالعادة بدأت أضع الناس في تصنيفات مختلفة، كلٌ بحسب كيف تعامل مع الموضوع!
1-      منهم من غضب غضبا شديدا لانني لم اخبرهم عن مرضي.. هؤلاء عليك أن تتفهم بأنهم يحبونك ويهتمون لأمرك فيعبرون عن حبهم بالغضب والعتاب.
2-      منهم من لن يتوقف عن سؤالك عن كل التفاصيل حول مرضك وشعورك وعلاجك و و و و ولن يتوقفوا عن ذلك.. هذه هي طريقتهم لدعمك!
3-       منهم طريقة دعمهم ستكون باتصالاتهم التي تحمل نبرة صوت حزن غريبة وأسى.. هؤلاء أخبروهم ان الأمور على ما يرام وبأنهم بامكانهم أن يتحدثوا اليك بصوت وطبيعي وبمواضيع طبيعية كالعادة.
4-      ومنهم من سيدعم ما تكتب وتقول ويظهرون اعجابهم ويشاركون كل ذلك مع الجميع دون أن حتى يهاتفونك...عليك أن تتقهم هؤلاء.. لأن الكثيرين يخافون من مبدأ السرطان وقدلا يستطيعون حتى أن يتحدثوا إلى مريض السرطان.

على أية حال من بعد تلك الصورة التي نشرتها قررت أن أبدأ مدونتي الخاصة التي ستحمل فيلم الدراما الذي

يمثل قصتي التي ستلهم الكثيرين.

يتبع

مرحلة 3.2 : المال هو السرطان الحقيقي

 

 

قد يظن البعض بأني قد جننت... ولكني فعلاً أؤمن اليوم بأن مواجهتي لمرض السرطان كان من أكثر تجاربي تحديا ومتعةً في حياتي. كنت استمتع بذلك وقررت بان أغمر تلك التجربة وأمضي بها.

بالنسبة لي أكبر المشاكل التي واجهتها في صراعي هذا هي تأمين المال الكافي لاتمام علاجي. ليست معاناتي نفسيتي أو آلامي الجسدية  او نظرة الناس... تمكنت من السيطرة على كل ذلك... انما كانت النقود... وعندها تأكدت وما زلت مؤمنةً بأن المال هو مرض العالم.. قلق الناس... معاناتهم... انه المال وليس السرطان بحد ذاته. لن أنسى أبداً كيف شعرت وقتها وظننت بان هناك احتمالا بأن أخسر حياتي لأنني لا أملك المال الكافي لاتمام علاجي. كانت مرحلة بشعة وتجربة قتلت الكثير من المشاعر داخلي وجعلت مني حجرا صوانا.
حتى أني توقفت عن الكتابة لفترة لأن القلم والقصة وذِكر تلك المرحلة يشعرني بالإحباط ويكسرُ شيئاً فيّ. ولكن، لا.. استمدت عزيمتي من جديد.. وأدركت بأن على هذه القصة أن تستمر!
ولكن قبل ان أكمل قصتي.. لا بد لي من أن أشكر كل شخص أعرفه ولا أعرفه ودون استثناء... كل من تذكرني وكل من لم يتذكرني.. كل من تبرع وساعدني لإنهاء علاجي..وكل من لم يفعل... كلكم زرعتم شيئا جديداً فيّ... كلٌ بطريقته!
ولكن هناك بعض الأسماء التي أذكر ولا بد من شكرها:
ميسان أبو رميله، لينان الشريف، ديانا حداد طناس، جورجن ماماز ، ميسون رمضان، أصدقاء مرضى السرطان، مؤسسة الجليلة،  مركز الحسين للسرطان، مستشفى المدينة، الدكتورة شهينة الداوود، روان خوالدة، هبة أبو شمط، سمر مقدادي، أحمد مقدادي، نورا الفرخ، عبير جودة الحسيني، سهير البرغوثي، غزلان غوينيز، حنين جرار ، سالي محمد السيد، خاتمة الكيلاني.
 من بعد شكري لهؤلاء... ها نحن نعود من جديد...
طبيبتي الرائعة شهينة داوود أبلغتني بأن سقف تأميني الصحي لن يغطي كامل تكاليف خطة العلاج اللازمة والعملية الخاصة بمرضي... فاقترحت هي بأن أقدم طلبا لشركة التأمين لرفع سقف تأميني... وأن أقوم بالتزامن، بتقديم طلبات لجمعيات خيرية في حال تم رفض طلبي من قبل شركة التأمين...
حاولت أن أكون إيجابية وأقنعت نفسي بأن طلب رفع سقف التأمين لن يكون معضلة.. حيث أنها إجراء روتيني عادي وينجح في أغلب الأحيان وقد حدث ذلك مع الكثيرين.. ولكن ولحسن حظي "بسخرية"...للأسف لم تنجح ولم أحصل على الموافقة.
في تلك الأثناء وفي وقت انتظاري لرد من شركة التأمين قدمت طلبات لجمعيات خيرية مختلفة على أمل ان يقدموا لي الدعم المطلوب.
كنت أتلقى علاجي الكيماوي في الوقت الذي كنت أنتظر به رد شركة التأمين.. كنت أتصل بهم كل يوم لأسال عن ملفي، وكنت في الوقت نفسه أراقب النقود في سقف تأميني والتي كانت تتقلص كل يوم.. شيئا فشيئا.. تتبخر.. وتتبخر معها آمالي في العلاج.. تتقلص معها أحلامي وطموحاتي... علاجي كان يحتاج لمبلغ 250 ألف درهم.. حينها أدركت بأن الوحش الكاسر والمرض هو ليس السرطان! بل المال!

حينها بدأت عائلتي وأصدقائي يقترحون علي العودة للأردن لاستكمال العلاج هناك. ولكني رفضت ذلك رفضا باتاً حيث أنني لا أريد أن أخسر عملي في دبي. لم أكن مستعدة لأن أخسر مسيرتي المهنية.. فهي الشيء الذي إعتد أن أقوم به منذ سنوات.. منذ أن أكملت دراستي الجامعية ولغاية اليوم و كما أنني لم أرغب "داخليا" بالذهاب إلى الأردن لأرى وجوه الحزن تنطر نحوي  والشفقة في عيون من حولي... والأهم من ذلك كله هو أنني كنت مرتاحة جدا بالتعامل مع طبيبتي التي كانت ستجري لي عملية الاستئصال في النهاية الدكتورة أنيت الحمدي ولم تعجبني فكرة تغييرها.
لم أعد أتقبل أن يفتح معي أحد هذا الموضوع.. وكلما حصل ذلك كنت أتحول إلى وحش غاضب. لم أُرد أن أنهي حياتي المهنية لأنني مريضة كما أنني لا أريد أن أكون بعدما ما فعلت من هؤلاء الأشخاص الذين يجلسون بلا عمل ويحصلون على مصروفهم من أهلهم. فقررت أنه يجب أن أجد حلاً لأحصل على النقود وأستكمل علاجي بأي طريقة في دبي..
ماحصل...هو انه  تم نشرُ مقالة عن حالتي في الجريدة لجمع التبرعات والدعم المادي.
منذ أن نشرت انا ذلك المقال على صفحتي الخاصة انهالت علي الاتصالات متسألة كيف بالامكان مساعدتي.
ملاكٌ جميلةٌ اسمها ميسان ابو رميلة مؤسسة جوردن ماماز اتصلت بي.
 منذ اول المكالمة شعرت وكأنني أتحدث إلى شقيقتي... أو صديقة أعرفها منذ زمن طويل... وبادرت بتسليم نفسها مسؤولية جمع التبرعات لي بالتعاون مع مؤسسة أصدقاء مرضى السرطان.
تلك الملاك وبالتعاون مع مؤسسة أصدقاء مرضى السرطان تمكنوا من التبرع لتغطية بعض العلاجات بترحيب كبير من قبل مدير عام مستشفى المدينة والذي أرسل لي بريداً إلكترونيا يتمنى لي به دوام الصحة والعافية والدعم الأقصى من قبل المستشفى إلى ان تنتهي رحلة علاجي.
لا شك بأن العديدين حاولوا مساعدتي ودعمي ولكن ذلك لم يكن يغطي سنةً كاملة لعلاجي... ولكن لا بد بأن أقول انه حينها بدأت تتلاشى الظلامية وبدأت أشعر بالايجابية والتفاؤل من جديد... وبأن النقود لن تقف بطريق سلبي حياتي.
ومنذ ذلك الحين... استجمعت طاقتي من جديد وقررت بأن أرسم لنفسي الخطة التالية... والتي كانت منطقية.. ألا وهي: أن استغل اجازاتي المرضية وأن أذهب للأردن لإجراء العملية الرئيسية...
ولحسن حظي هذه المرة مركز الحسين للسرطان رحّب بي وقَبِل حالتي فوراً.
ما زلت أتذكر مكالمتي مع الدكتور محمد باسم حمدان والذي ناقش معي فيها حالتي وأعطاني ساعة كاملة- ستين دقيقة- من وقته وجدوله المزدحم ليشجعني أن آتي إلى الأردن وطمأنني فيها بأني سأجري العملية هناك... بكل يسر وسهولة دون ومعاناه وكأن شيئا لم يحدث...
كان ذاك الطبيب الملاك الثاني الذي ترك بصمة في رحلتي هذه.
حجزت رحلتي الى الاردن لخضوع العملية التي بتوجب علي اجراؤها في شهر ١١... واذ بمكالمة أخرى من انسانة جميلة اسمها عايشة من مؤسسة الجليلة تأتيني.. لتخبرني ان المؤوسسة ستغطي بقية علاجي في مستشفى دبي.
فقط حينها... ادركت انني اكثر انسانة محظوظة على وجه الأرض... لأنني فعليا وجدت الجنة على الأرض - على الأقل بنظري- حلمي صار حقيقة...ان اتعالج واحافظ على وظيفتي في ذات الوقت! من كان يحلم بذلك؟!
بالإضافة لكل ذالك كان هناك دور كبير لمقاتلة السرطان  الرائعة الجميلة لينا الشريف في تقيم الدعم المتواصل ... ولكنني إن ذكرت ما فعلتْ سوف تقتلني ههه ولكن لن تكتمل القصة إن لم أذكركِ!  يا ملاكيَ الحارس.. "الله يوفقك".
بالأمس ذهبت لأقص شعري للمرة الأولى منذ عام ونصف...
والتي قَصَصَت شعري أخبرتني بأن لديها شقيقة تعيش في أفريقيا ولديها سرطان ولكن لا تملك المال للعلاج...
لذا نصيحتي كالتالي: بدك تعمل خير؟ ساعد الناس... اتبرع... ساعد غيرك حتى لو ما بتعرفهم ولا بتعرف قصصهم ومعاناتهم... ساعد غيرك بيجيك الخير... المرض مش السرطان...المرض هو المصاري!

 

 

المرحلة 3.3 : كيف تخسر عملك في لحظة

كنت أعد الأيام حتى أصل لليوم الأخير من علاج الكيماوي: كنت أخطط لإقامة إحتفال كبير مع العائلة والأصدقاء... ولكن تلك اللحظة جاءت بعكس ما تمنيت.. كنت جالسة لوحدي في المستشفى أتلقى آخر جلسة كيماوي بقلب مكسور.. كانت المرة الأولى التي أشعر بها حقا بأن الحياة تنتهي والزمن يتوقف... ولكن ومن جديد الحياة عندها لم تنتهي كما اعتقدت، إنما فصل من حياتي قد انتهى وأغلق آخر صفحاته بكل تفاصيلها... وانفتح أمامي فصل جديد وبداية جديدة أرسم ملامحها بنفسي. لم أكن أعلم ذلك حينها لكنني أعلم هذا الآن.
 
خلال فترة صراعي ما بين جمع التبرعات وتلقي العلاج الكيماوي وأعراضه المتعبة والتخطيط للسفر لإجراء عملية الاستئصال والزراعة.. كان كاهلي مثقل ولم أعد أستطيع تحمل المزيد، لكنني تمكنت من التوفيق ما بين كل ذلك بمهارة وقوة .. ولكني كنت على علم جيد بأنني لن أتحمل أي عثرة أوتحدي جديد.. يبدو أن الانسان لا يعرف مدى قوته وقدرته على التحمل إلى أن يضطر لمواجهة المزيد.. وهذا ما حصل.. نعم استطعت تحمل المزيد من الأعباء.
 
قبل أن أبدأ علاجي الكيماوي .. الشركة التي كنت أعمل بها سابقا أبلغت جميع الموظفين بأن الشركة ستغلق وأن على الجميع المغادرة.. خسر الجميع عمله ومصدر دخله بمن فيهم أنا.. هل من العدل أن تخسر مصدر رزقك وانت تحارب السرطان وفي ظروف اقتصادية صعبة وبأمَس الحاجة لكل قرش.. ضربة موجعة في أسوأ الأوقات! لكن أين هو العدل في هذه الدنيا على أية حال.
 
إن كنت تعرفني شخصيا فستعلم كم يعني لي العمل... خسارة عملي لم يكن سهلا علي. ما زلت أستطيع أن أسمع صوت نبضات قلبي في أذني حتى الآن عندما تم إعلان خبر الإغلاق. حاولت أن أهدأ وأن استجمع قواي وبدأت أعطي نفسي آمالا واهمة بأنه لانني مريضة فسيقومون بنقلي ربما لقسم آخر .. ولكن كما قلت كانت أوهاما فقط. أبلغوني بأن حالي كحال غيري وأنه لا مكان لأي أحد هنا. وكأن تلك الجملة رصاصة استقرت داخل صميمي..شعرت وكأنني أختنق.. وكأن قلبي توقف عن النبض.. وكأن السرطان تفشى في كل جمسي... وكأن الحياة انتهت...وساعة العمر توقفت.. اندثرت كل الطاقة الايجابية التي تحليت بها في كل الفترة السابقة.. واضمحلت معها الآمال والأحلام.
أثناء قيادتي سيارتي عائدة للمنزل لم أكن واعية على الطريق.. أعتقد أن عقلي الباطني هو الذي قاد السيارة للمنزل.. كل ما كنت أفكر به هو كيف سأتمكن من تلقي العلاج الكيماوي والتحضير لعمليتي وجمع تبرعات لعلاجي والبحث عن عمل في آن واحد!
حاولت ألا أظهر لأهلي انهياري وضعفي.. وحاولت إقناعهم بأن ما حصل هو لمصلحتي وأفضل لي، حتى أتمكن من التركيز على علاجي وبأن كل شي على ما يرام، مع أنني من الداخل كنت أشعر بأن كل شيء ليس أبدا على ما يرام، ولم أرى نورا يخرج من أي باب من تلك الأبواب ولا حتى من بعيد.
قررت أن أذهب لوحدي لتلقي آخر جلسة كيماوي في المستشفى..ورأسي يدور ويدور..ليس من الكيماوي بل من الحيرة وكثرة التفكير.. من أين أبدأ؟ ماذا أفعل؟ لماذا أنا؟ أدركت حينها كم أنا متعبة ومبعثرة وهائمة على وجهي وضائعة.
عند انتهاء الجلسة.. شكرت الممرضات الجميلات في مستشفى المدينة اللواتي قضين معي كل لحظات العلاج: غلاديس وجولين وسيندي. وأدرت ظهري لأرى المحاربة الجميلة لينا الشريف تقف حاملة الورود.. سعدت جدا برؤيتها قبل مغادرتي.. فانا أتفائل بها كثيرا وقلت في عقلي لربما كانت هي إشارة بأن الامور ستتحسن وتفتح الطرق بوجهي. 
عدت للمنزل، لم أستطع النوم، اتصلت بمالك الشقة.. تلك الشقة التي أحب كثيرا وقضيت فيها سنين غربتي، لاتفق معه على أنني سأغادرها وسأسلمها في نهاية الشهر. ومع ذلك لبست قناع القوة والصلابة أمام الجميع من جديد وكأن شيئا لم يحدث.. وهذا كان يتطلب مني جهدا مضاعفا أضيفه على كاهلي، كنت أموت من الداخل والخارج لم أكن أعلم من أين سأستمد قوتي لأقف على قدمي من جديد.
 
قررت أنني يجب أن اشارك قصتي مع الناس فقمت بعمل فيلم قصير عن السرطان وألقيت كلمة للتوعية حول مرض السرطان بالاضافة إلى مجموعة من اللقاءات الصحفية في الصحف. وها قد أتى اليوم الأكبر الذي سافرت به إلى الأردن للقيام بالعملية.. حاملة معي "هنا" العاطلة عن العمل بلا منزل.. بلا قوة..بلا روح... مكسورة ومحطمة.. لم أعلم كيف كيف سأجري العملية بهذه النفسية؟
عندما أعود بالزمن إلى الوراء.. إلى تلك اللحظات تحديدا أتساءل دوما كيف استطعت أن أستمد كل هذه القوة للاستمرار. أحيانا أخاف من نفسي القديمة.. من كنت لأستطيع تحمل كل هذا؟! ولكن المهم أنني استطعت.
قد يتسائل البعض الآن لمَ لمْ ألجأ للقضاء عندما تم صرفنا من العمل؟ خاصة وأنني مريضة بالسرطان وقد يؤثر ذلك على حياتي كاملة.. الحقيقة أنني شعرت حينها بأن اللجوء للقضاء والمحاكم سينهكني ويسحب كل طاقتي والتي أنا بأمس الحاجة لها... فقررت أنني إن وضعت هذه الطاقة في الكتابة ونشر الوعي لربما أخرج بنتيجة وتعويض أكثر تأثيرا... لعلي ألفت الانتباه إلى استحداث قانون ينصر مريض السرطان في مثل هكذا حالات.
قبل عدة أيام قام الموهوب العالمي الكاتب نيكولاس ويبستر بإجراء مقابلة معي للحديث حول التحديات التي يواجهها مرضى السرطان فيما يتعلق بالتأمين والحماية المادية. باستطاعتكم قراءة المقابلة بالكامل على الرابط التالي:
 
حينها أخبرت نيكولاس بأنني كفتاة عربية ملزمة بأن أدون قصتي وتجربتي لأقول بأن مرضى السرطان لهم الحق بالعيش وممارسة حياتهم بشكل طبيعي. فقال لي حينها: "هنا.. كفتاة عربية أو غير عربية لم أرى أحدا بحياتي يكتب حول قصتهه مع السرطان بهذا الوضوح وهذه الصراحة!" كلماته تلك جلبت السعادة إلى قلبي وجعلتني فخورة ومحظوظة بأنني تمكنت من عيش تجربة السرطان.
من ثم سألني أين أجد نفسي خمس سنوات من اليوم؟ فأخبرته بأنني أود أن أكون جزءا من جمعية خيرية لمساعدة الناس..نعم بالفعل أود أن أكون جزءا من الأعمال الخيرية ولكن أريد أن أرى نفسي بطريقة مختلفة أيضا.
لذا فجوابي على السؤال كالتالي: كيف أرى نفسي بعد 5 سنوات؟
1- أعيش الحياة بمعناها الحقيقي ولست فقط على قيد الحياة.
2- لا توجد حياة مثالية انا استمتع بما لدي. "القناعة"
3- أدرك أن السعادة ليست بالحياة المثالية..بل السعادة تكمن في البساطة.
4- لن أعطي الأمور أكثر من حجمها.
5- أنا سعيدة بلا سبب وأضحك من غير سبب، لانه ذلك ليس  مش من قلة الأدب."
6- انا أجعل كل ثانية تُحسب واستغل كل لحظة طالما انني اتنفس.
 
سألني نيكولاس ان كان لدي شخصيتان واحدة ما قبل السرطان وواحدة ما بعد.. بالفعل هو محق.. واعتقد أنني سأكتب في واحدة من الفصول القادمة كيف تحولت شخصيتي.
كان من الرائع مقابلة شخص ملهم كالكاتب نيكولاس.. أوجه له جزيل الشكر على نشر قصتي.
 
العديد من النساء المصابات بسرطان الثدي من اللوتي أعرفهن يواجهن ضغوطا كبيرة من قسم الموارد البشرية في أماكن عملهن لتقديم استقالتهن حيث يظنون بأنهم يؤثرون سلبا على الشركة! كم هو غير انساني ما يفعلون! لا بد من أن يكون هناك قانون يقف بوجه تلك السلوكيات الهمجية اللا انسانية. كما أنني أناشد وأتمنى من قلبي أن يكون هناك قانون رسمي يمنع طرد أي مريض سرطان من عمله أثناء فترة علاجه.
ها قد وصل شهر أكتوبر الوردي... وحان الوقت لتزيدوا من تبرعاتكم لمرضى سرطان الثدي... لذا لا تنتظر وتبرع ان كان بامكانك.. ففي تبرعك أنت تنقذ حياة.
في البوذية يقال: اذا كان بامكانكم مساعدة بعضكم فعليكم ان تفعلوا ذلك، وان لم يكن باستطاعتكم فعلى الأقل لا تؤذون بعضكم البعض.
أعتقد ببساطة أن هذه العبارة تمثل جوهر الحياة الأخلاقية.